الشيخ محمد رشيد رضا
272
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عظيمة ، وشبهه بخميرة لا باختمار جميع الدقيق . وكذا يرد هذا التأويل قول عيسى عليه السّلام بعد بيان التمثيل المنقول في الباب الحادي والعشرين من إنجيل متي هكذا ( 43 لذلك أقول لكم : ان ملكوت اللّه ينزع منكم ويعطى لامة تعمل أثماره ) فان هذا القول يدل على أن المراد بملكوت السماوات طريقة النجاة نفسها لا شيوعها في جميع العالم واحاطتها بكل العالم والا لا معنى لنزل الشيوع والإحاطة من قوم واعطائهما لقوم آخرين . فالحق ان المراد بهذا الملكوت هي المملكة التي أخبر عنها دانيال عليه السّلام في الباب الثاني من كتابه « 1 » فمصداق هذا الملكوت وتلك المملكة نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم واللّه أعلم وعلمه أتم ( البشارة الرابعة عشر ) في الباب الثالث عشر من إنجيل متى هكذا ( 31 قدم لهم مثلا آخر قائلا يشبه ملكوت السماوات حبة خردل أخذها انسان وزرعها في حقله 32 وهي أصغر جميع البذور ، ولكن متي نمت فهي أكبر البقول وتصير شجرة حتى أن طيور السماء تأتي وتأوي في أغصانها ) فملكوت السماء طريقة النجاة التي ظهرت بشريعة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه نشأ في قوم كانوا حقراء عند العالم لكونهم من أهل البوادي غالبا ، وغير واقفين على العلوم والصناعات ، محرومين من اللذات الجسمانية ، والتكلفات الدنيوية ، ولا سيما عند اليهود لكونهم من أولاد هاجر ، فبعث اللّه منهم محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم فكانت شريعته في ابتداء الامر بمنزلة حبة خردل ، أصغر الشرائع بحسب الظاهر ، لكنها لعمومها نمت في مدة قليلة وصارت أكبرها وأحاطت شرقا وغربا حتى أن الذين لم يكونوا مطيعين لشريعة من الشرائع تشبثوا بذيل شريعته ( البشارة الخامسة عشر ) في الباب العشرين من إنجيل متى هكذا 1 ( فان ملكوت السماوات يشبه رجلا رب بيت خرج مع الصبح ليستأجر فعلة لكرمه ) 2 ( فاتفق مع العملة
--> ( 1 ) قد بينها المؤلف في البشارة الرابعة عشرة وهي مما حذفناه للاختصار